أسطورة أرض الميعادليس وجود هذه الدولة على أرض فلسطين يعني — message from السبيل

أسطورة أرض الميعاد

ليس وجود هذه الدولة على أرض فلسطين يعني أنها أرض لليـ h ـود، ولا أدل على ذلك من أن الوجود اليـ h ـودي في نيويورك مثلًا يعادل حجم الوجود اليـ h ـودي في فلسطين، فلم يكن للهجرة إلى فلسطين سوى النصيب الضئيل من الهجرة اليـ h ـودية، فـبلد مثل كندا “كان يضم 150 ألف يـ h ـودي في عام 1930 بينما كانت فلسطين لا تضم سوى 170 ألفا، ولكن التحدي الأكبر لأرض الميعاد كان يأتي من البلد الذهبي أي الولايات المتحدة الأمريكية، ففي الفترة التي نشير إليها، هاجر إلى الولايات المتحدة ما بين 1890- إلى 2080 يـ h ـوديًّا، مقابل ما بين 378- إلى 965 هاجروا إلى أرض فلسطين” [اليـ h ـود أنثروبولوجيا، جمال حمدان، ص: 242].

بالطبع فإن من لم يسعفهم الحظ في الهجرة إلى الدول الغربية لأسباب تتعلق غالبا بالوضعية الاجتماعية وجدوا أنفسهم مكرهين على الهجرة نحو فلسطين، بل في أحيان كثيرة مرغمين على الهجرة نحو فلسطين تحت تهديد المافيا الصهيونية؛ ولا أدل على ذلك ما حاولت الفيلسوفة الألمانية اليـ h ـودية “حنة آرنت” شرحه في كتابها “تفاهة الشر”، حيث يعتبر هذا الكتاب مساهمة جدية من الراحلة في مسلسل فضح الصهيونية العالمية وكشفًا لحقيقة تغيب عن المثقفين قبل العامة؛ وتأكيد على حقيقة أن اليـ h ـود لم يبادوا على يد “الحزب النازي” فقط، وإنما بمساعدة الصهيونية العالمية أيضًا.

آنذاك قوبل هذا الكلام بمعارضة شديدة إلى الحدّ الذي هدد حياة الكاتبة، وحتى اليوم -رغم أن البعض يعتبرها أحد أهم مفكري القرن العشرين- فإن كتاباتها لا تلقى الترحاب لدى الكيان الصهيوني باعتبارها عدوة للصهيونية، وهذا ليس لحديثها عن تفاهة الشر بل كما أوضحنا عن دور الصهيونية في موت آلاف اليـ h ـود.

تقول حنة: “لقد وقع خلال هذه السنوات الأولى، إبرام اتفاقية مرضية جدًّا بين السلطات النازية والوكالة اليـ h ـودية لفلسطين “هآفره”، وفي نفس الوقت دخل مبعوثون من فلسطين في اتصال مع الغستابو والإس. إس، من تلقاء أنفسهم، ووجد اليـ h ـود أنفسهم في قبضة عدوين: السلطات النازية والسلطات اليـ h ـودية” [ينظر: حنة آرنت، تفاهة الشر، ص100-102.]

ولا شك أن اليـ h ـود تعرضوا للتقتيل على يد النازيين، وأنهم وجدوا أنفسهم منبوذين في القارة التي عملوا بجد لإشعاعها، فلا أحد ينكر مساهمتهم في بناء التفوق الأوربي، وخاصة في مجال الفكر والعلوم، فلا يمكن تجاوز كون شارح ابن رشد يـ h ـوديًّا “موسى بن ميمون”، إلا أن هذا كله لا يبرر اقتلاع الغير من أرضه واحتلالها، ولا يسوّغ تعذيب الفلسطينيين وتقتيلهم وارتكاب جرائم يندى لها الجبين في حق الإنسانية جمعاء. لا عمل -مهما كانت بشاعته- يبرر الأعمال الصهيونية في فلسطين.

يجب أن نعلم أن الوجود الصهيوني في فلسطين مؤسَّس من اليوم الأول على الخوف، فلا نتصوّر مهما حاول الإعلام أن اليـ h ـودي الصهيوني يعيش في مسرات لا ينغص حياته شيء، بل “إن التهديد الأكبر لرفاه وأمن الإسرائيليين، ليس إيران ولا سورية، إنه دولة إسرائيل ذاتها. بعيدًا عن سلوك إسرائيل العدواني والمولع بالحرب، فإن احتلالها لفلسطين لا يجعل حيوات الناس الذين يعيشون تحت هذا النظام مستحيلة فحسب، بل غير قابلة للاستدامة أيضاً” [جياني فاتيمو ومايكل ماردر، تفكيك الصهيونية، ص: 21]

ومن ثمّ، فإنه يجب على اليـ h ـودي الذي يعيش في فلسطين أن يدرك حياته على أرض فلسطين عذاب دنيوي مستمر، وأن وجوده فوق هذه الأرض الفلسطينية مسألة وقت فقط، فهما طال الزمن ستعود الأرض لأهلها، هكذا علمتنا دورس التاريخ.

في الصورة: حنة آرنت

المزيد في جديد مقالات السبيل: "فلسطين .. شجرة الزيتون في مواجهة حائط الإسمنت" بقلم علي الرباج
https://bit.ly/3FXA3KA
2.0K views